مــن كــتــاب الاســاطــيــر الـمـؤسسة للسياسة الاسرائيلية

مقدمة الطبعة العربية       مـحـمـد حـسـنـيـن هـيـكـل

 

لا اعرف كيف اقدم هذا الكتاب الى قارئ اللغة العربية، ذلك انني اريد  ان اوصي بقراءته دون ان اتعرض لمضمونه وهو ما يحدث عادة عند التقديم لكتاب.

 

ولعلي كنت اوثر بالنسبة لهذا الكتاب بالذات الا تكون له مقدمة من خارجه، ذلك لان بعض النصوص- ومنها نص هذا الكتاب- تستطيع ان تستغنى عن التقديم، بل ويمكن ان يكون التقديم لها عبئا على النص وليس سندا له.

والحاصل ان كل تقديم لكتاب، يحمل معه على نحو مباشر او غير مباشر، تاويلا لنص يتجه به الى منحى معين يراه كاتب المقدمة من منظوره. وفي بعض الاحيان فان النمحى قد يتحول بالتاويل الى منحنى، وتلك مسالة حساسة فى كتاب من هذا النوع الذى كتبه الاستاذ روجيه جارودي عن "الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية". وهي مجموعة اساطير صهيونية عرضها جارودي اجمالا على النحو التالى:

-ارض الموعودة لليهود في فلسطين؟

-اليهود شعب الله المختار ؟

-ارض بلا شعب لشعب بلا ارض؟

-المحرقة النازية Holocaust

-العقيدة اليهودية والصهيونية، السياسية؟ والمسافة بين الاثنتين؟

لكن جارودي فى عرضه لهذه الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية- ولدولة اسرائيل- لم يؤلف كتابا بالمعنى التقليدي، وانما حرص على ان يجعل من الوقائع نسيجا للحقائق، وتكون مهمة التاليف في هذه الحالة هي وظيفة "النول" يمد الخيوط طولا وعرضا، ويصنع مساحة من القماش قابلة للنظر وقابلة للفحص وقابلة لاختيار التماسك والمتانة.

ان جارودي وهو يتعرض لكل اسطورة من الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية، لم يشا ان يناقش بنفسه او يناقض، وانما جاء بالوقائع من مصادرها الاولية ومن وثائقها الاصلية ثم تركها تجري في سياقها المنطقي واصلة بنفسها الى غايتها الطبيعية.

والحقيقة ان اخرين- قبل الاستاذ جارودي- حاولوا ان يقتربوا، من الموضوع، لكن "جارودي " تجاوز من سبقوه ، بالاحاطة الشاملة بكل الاساطير الاسرائيلية. بمعنى ان كل من سبقوه- وعلى الاقل فى حدود ما اعلم- ركزوا على اسطورة واحدة في الغالب، ولعلى اكثر التركيز كان على المحرقة النازية Holocaust التي تقول الاساطير الاسرائيلية ان ضحاياها من اليهود وحدهم وصلوا الى ستة ملايين ، وربما ان الضجة التي دارت حول هذه الاسطورة بالذات كانت "مشادة بين الضمير او الشعور بالذنب الاوروبي، وبين محاولة لضغط عليه وتعذيبه لصالح المشروع الصهيوني وكان من الطبيعي ان يحاول الضمير الاوروبي ان يبحث عن الحقيقة ويضعها في مكانها من التاريخ الانساني، كما انه كان طبيعيا من ناحية اخرى ان تحاول الحركة الصهيونية قصاراها لكي تضع اسرائيل في الموضع الذي ارادته لها على خريطة الشرق الاوسط!

ولقد تابعت هذه المعارك منذ قرات كتاب "دوجلاس ريد" الذي صدر فى الولايات المتحدة سنة 1947 بعنوان "بعيدا وواسعا" (Far and Wide )، وكان "دوجلاس ريد" واحدا من ابرز الصحفيين البريطانيين الذين غطوا الحرب العالمية الثانية، وقد استوقفته  بعد لحرب اسطورة المحرقة النازية والترويج لها خصوصا في الولايات المتحدة الامريكية. وكان اسلوب "ريد" في مناقشة الاسطورة عمليا يستند:، بالدرجة الاولى الى الارقام ودلالتها، التي لا تكذب شي في حسابه. ولقد اورد احصاء عصبة الامم عن عدد اليهود فى العالم سنة 1938 و هو اخرتقرير سنوي  لهذه المنظمة الدولية قبل قبل الحرب العالمية الثانية، ثم قارنه بما ورد في اول احصاء اصدرته الامم المتحدة هي المنظمة الدولية التي حلت محل عصبة الامم  بعد الحرب العالمية الثانية- وقد صدر سنة 1947، واذا المقارنة تظهر ان عدد اليهود في العالم بعد الحرب (1939-1945) بقي بعدها كما كان قبلها في حدود 11 مليون نسمة.

وكان تقدير "دوجلاس ريد" ان المحرقة النازية- وقد-حدثت فعلا- لم يزد ضحاياها عن ما بين ثلاثمائة الف الى  اربعمائة الف (اي حجم الزيادة التي كان يمكن ان تطرا على تعداد اليهود في سبع او ثمان سنوات)، وهو فى كل الاحوال رقم مفزع وكاف ليس فقط لتعذيب الضمير الاوروبي بل والضمير الانسانى كله. على انه يبقى ان اليهود لم يكونوا اكثر من تحملل تضحيات الحريق النازي،  وانما اكثر منهم الالمان انفسهم والروس و البولنديين والغجر (ثم الفلسطينيين- بدون ذنب- عندما فرضت عليهم الحركة الصهيونية ان يدفعوا كفارة الضمير الالماني والضمير الاوروبي، وان يدفعوها  بالفوائد المركبة اضعافا مضاعفة ، وان يدفعوا بالوطن الفلسطيني ذاته تاريخا وارضا وشعبا ومستقبلا!).

ولقد تعرض  " دوجلاس ريد " لحملة جامحة واختفى كتابه من المكتبات، واختفى المؤلف نفسه من الحياة الصحفية والحياة العامة كلها، ودفنه النسيان حيا!

ثم اتيح لي ان ارى بنفسي- وليس بمجرد القراءة- ما حدث فيما بعد للمؤرخ البريطاني المدقق "دافيد ايرفنج " ، وشاء ت الظروف ان اشهد واقعة ضربه ضربا مبرحا بينما هو يتناول الافطار فى مطعم "ريكشو" فى شارع "سوت اودلي " على بعد امتار من مقر السفارة المصرية في لندن. ولم يكن السبب ان "دافيد ايرفنج " كتب عن المحرقة النازية، وانما كان السبب انه راح يبحث ويتقصى ثم شاع فى اوساط كثيرة انه اوشك على ملامسة الحقيقة، لانه سبق الجميع الى الارشيف السوفيتي وهو خزائن الاسرار الحقيقية عن المحرقة بحكم الظروف، لان الجيش السوفيتي كان هو الذي زحف على بولندا لمطاردة وطرد الجيش الالماني منها سنة 1944. ولما كان اكثر من 80% من يهود ما قبل الحرب العالمية الثانية يعيشون فى بولندا، فان اهم واشهر المحارق النازية لليهود مثل "اوشفيتز" و"تربلينكا "  كانت  على الارض البولندية، ومن ثم فقد كان الجيش السوفيتي هو الذي دخلها، وهو اول من راها وكشف عن خباياها، ثم كان ان استقرت اوراقها جميعا بكل اسرارها في خزائن ارشيف الدولة السوفيتية التي اغلقتة- كما اغلقت كل شيء- ثم انفتحت الابواب عليه حين تراخت وتهدلت قبضتها وذراعها، عندما تراخت وتهدلت ارادة الدولة السوفيتية وكرامتها.

وكان "دافيد ايرفنج " يعرف اين وكيف يبحث عن اسرار المحرقة النازية، وسار بقدميه في السراديب الرطبة ومد يده الى الرفوف والادراج!

وثارت عاصفة الغضب ضد " ايرفنج " ووصلت الى درجة التحرش به وجره الى الشارع والاعتداء عليه، ثم التحريض ضده الى درجة الحصار. كل ذلك وهو لم يكتب بعد ما توصل اليه في كتاب، لكنه كان يكفي لعقابه انه وصل الى اقرب نقطة من الحقيقة، اي من المصدر الذي يفوق غيره من المصادر في دقة وصحة ما لديه.

وفيما يبدو فان الاشارات التي ظهرت اثناء عمل "دافيد ايرفنج " كانت قريبة مما توصل اليه "دوجلاس ريد " ، اي ان المقارنة الاحصائية بين ارقام عصبة الام القديمة، وارقام ا لامم المتحدة الجديدة، وكذلك ارقام الارشيف السوفيتي- كانت متقاربة الى حد ملحوظ. اي ترجيح- وربما تاكيد- ان هناك ما بين ثلاثمائة الف الى اربعمائة الف يهودي دفعوا حياتهم نتيجة لجنون النقاء العنصري، الذي ادى الى الهوس النازي.

والشاهد انه حتى في حدود هذا الرقم فانه من الممكن انسانيا وحتى سياسيا بالنسبة للفكر العربي ادراك حقيقتين:

الاولي- انه كانت هناك بالفعل ماساة لحقت باليهود في اوروبا تحت حكم النازي (وايضا قبله)، وليس من المقبول انكار الماساة من الاساس لان اسرائيل تستغلها للتعمية والتغطية علي ماساة اخرى اكثر فداحة منها وقعت على عرب فلسطين (قتل ناس واغتصاب وطنهم).

 

والثانية- ان "اسطورة" الهولوكوست تلعب دورا حقيقيا في الوجدان اليهودي المعاصر، ومن الخطا والخطر ترك الجزء الصحيح وراء الاسطورة لخطط الحركة الصهيونية، توظفه كما توظف الاساطير عادة على طول التاريخ.

وعلى طول التاريخ- وهذا هو الفارق بين الاسطورة والخرافة- فان المادة الخام للاسطورة كانت تستخرج من تلافيف الماضي البعيد او القريب ويعاد تركيبها وتاليفها لكي تؤدي وظيفتها. ووظيفة الاسطورة دائما هي التعبئة، والتعبئة مقدمة لمواجهة، والمواجهة استعداد لصراع، والصراع بعد ذلك وصفة جاهزة للحرب. وهكذا فان الاسطورة مسكونة غالبا بشبح مقاتل. والشبح المقاتل له في بعض الظروف قدرة على القتل اكبر من قوة فارس على القتال !

وربما ان الرغبة في الفصل ما بين التاريخ وحقائقه، والاساطير واشباحها هو ما دفع مفكرا عربيا من وزن "ادوارد سعيد" الى مطالبة العر ب بان يعترفوا بالهولوكوست، اعتقادا منه ان تلك هي الوسيلة لـ "صرف الشبح " بحيث تظل الحقيقة قدر ما هو ممكن في التاريخ، ويغيب- قدر ما هو ممكن ايضا- فعل الاسطورة فيه!

هناك اخرون من الكتاب والمؤرخين تعرضوا لغير ذلك من الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية، وبالتحديد لاسطورة ارض بلا شعب لشعب بلا ارض- لكن تعرضهم ذلك لم يثر من المعارك مثلما ثار في موضوع المحرقة، والاسباب يمكن فهمها، فقد كان التعرض ضمن حجج سياسية او اخلاقية تنقصها سخونة الماساة

محمد حسنين هيكل

مقدمة الطبعة الفرنسية

بعد ما يربو على نصف قرن، صدرت خلاله مؤلفاتي عن كبريات دور النشر الفرنسية، اجد نفسي مضطرا اليوم لان اصدر هذا الكتاب على نفقتي الخاصة، ذلك لانني منذ عام 1982 اقدمت على انتهاك حرمة احد المقدسات: الا وهو انتقاد السياسة الاسرائيلية، وهي الحرمة التي سيحميها من الان فصاعدا قانون جيسو- فايبو الجائر، الصادر في 13 يوليو/ تموز 1990، والذي يعيد الى فرنسا " جريمة الراي " التي سادت عصر الامبراطورية الثانية، وبذلك يتوارى ضعف الحجة وراء قانون قمعي.

وهذا هو السبب الذى دفع تلك المكتبات، التي تعي جيدا كيف تحافظ على مصالحها، ان تصدر تعليماتها الى  دار سافوار…….، لكي تتراجع بعدما كانت قد قبلت منى دفعة مقدمة لطبع هذا الكتاب. وهذا هو نفسه ما كان يحدث من قبل في عصور سابقة، في اماكن اخرى غير فرنسا، حيث ساد الراي الواحد الارهاب الفكري.

روجيه  جارودي

لماذا هذا الكتاب

تعد نزعات التزمت، باعتبارها منبعا للعنف والحرب، احد االامراض الفتاكة في عصرنا الراهن.

وهذا الكتاب جزء من ثلاثية كرستها  للتصدي لهذه النزعات:

واولها كتاب "عظمة الاسلام  وانحطاطه "، والذي ادنت فيه التزمت الاسلامي، وخلصت الى القول بان " التاسلم داء الاسلام ".

وهناك كتابان خصصتهما لمناقشة التزمت لد!ا الكنيسة الكاثوليكية، التي تدعي انها "تدافع عن الحياة"، وتنهمك في مناقاشة ومجادلات عن الاجنة، ولكنها لا تنبس ببنت شفة عندما يموت ثلاثة عشر مليونا ونصف المليون من الاطفال كل عام، بسبب سوء التغذية والجوع، ضحايا لسياسة " وحدانية السوق " التي تفرضها الهيمنة الامريكية وهذان الكتابان هما: "هل نحن بحاجة الى الله "، و "نحو حرب دينية".

اما الجزء الثالث من الثلاثية فهو كتاب،"الاساطير/ الخرافات المؤسسة للسياسة الاسرائيلية" ، والذي ادين فيه بدعة الصهيونية السياسية، التي تقوم على احلال دولة اسرائيل محل "اله " اسرائيل. ودولة اسرائيل هذه ليست سوى حاملة طائرات نووية حصينة تابعة لسيدة العالم مؤقتا: الولايات المتحدة الامريكية، التي تريد ان تفرض هيمنتها على نفط الشرق الاوسط، الذي يمثل عصب النمو الغربي (وهو نموذج" نمو" يكبد العالم الثالث كل يومين عددا من الموتى يعادل ضحايا القنبلة الذرية في هيروشيما، وذلك طبقا لتقديرات  صندوق النقد الدولي ).

ومنذ اللورد بلفور، الذي صرح وهو يمنح الصهاينة بلدا لا يملكه: "لاتهم كثيرا طبيعة النظام الذي يتعين علينا اقامته لكي نحتفظ بنفط الشرق  الاوسط. فالامر الاساسي هو ان يظل هذا النفط في متناول يدنا، (جون كيمحي " فلسطين واسرائيل " الناشر البان ميشيل 1973 ص 27). وحتى وزير الخارجية الامريكي " كورديل هال"  الذي قال: الذي قال علينا ان نعي جيدا ان نفط السعودية يعد واحدة من اقوى وسائل الحركة في العالم  " (المصدر السابق، ص 240). كانت هناك على الدوام سياسة واحدة تملي على القادة الصهاينة  الاسرائليين  تنفيذ مهمة واحدة، هي تلك التي حددها "جوزيف لونز "، امين عام حلف شمال الاطلنطي الاسبق، بقوله: "لقد كانت اسرائيل العميل الاقل تكلفة في عالمنا المعاصر". (نداف شرجاي، صحيفة هاارتس، 13 مارس/ اذار 1992).

محتويات الـكـتــاب

تقديم للاستاذ محمد حسنين هيكل،............ مقدمة الطبعة الفرنسية.

لماذا هذا الكتاب.....

 مقدمة المؤلف...

الباب الاول: ا لاساطير/ ا لخرافات اللاهوتية.....

 الفصل الاول: اسطورة/ خرافة " ا لوعد ": ارض موعودة ام ارض مغتصبة؟...

في التفسير المسيحي المعاصر.

في التفسير النبوي اليهودي..

الفصل الثاني: اسطورة/ خرافة "الشعب المختار"....

الفصل الثالث: اسطورة/ خرافة يشوع: التطهير العرقي.....

الباب الثاني: اساطير/ خرافات القرن العشرين..

الفصل الاول. اسطورة/ خرافة الصهيونية المعادية للفاشية...

الفصل الثاني: اسطورة/ خرافة عدالة محاكمات نورمبرج...

الفصل الثالث: اسطورة/ خرافة "الملايين الستة"  (الهولوكوست).

الفصل الرابع. اسطورة/ خرافة "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض.

الباب الثالث: التوظيف السياسي للاسطورة/ الخرافة.

الفصل الاول: قوى الضغط الاسرائيلية- الصهيونية في الولايات المتحدة الامريكية..

الفصل الثاني. قوى الضغط ا لاسرائيلية- الصهيونية في فرنسا..

الفصل الثالث: اسطورة/ خرافة المعجزة ا لاسرائيلية: التمويل الخارجي..

الخاتمة.

الفصل الاول

اسطورة/ خرافة، "الوعد "

ارض موعودة ام ارض مغتصبة؟

".. نسلك هذه الارض من وادي العريش الى النهر الكبير، نهر الفرات ".  (سفر التكوين: الاصحاح 15- الاية 18).

القراءة المتزمتة للصهيونية السياسية:

"اذا كنا نملك التوراة، ونعتبر انفسنا شعب التوراة، فمن الواجب علينا ان نمتلك جميع الاراضي المنصوص عليها في التوراة".

الجنرال موشى ديان، صحيفة جيروزاليم بوست، 10 اغسطس/ اب   في 25 فبراير/ شباط 1967، في 25 فبراير قتل الدكتور باروخ جولدشتين مجموعة من العرب وهم يصلون الفجر في الحرم الابراهيمى.

مطا بع الشروق - الــقـاهــرة

 

 

مـن مـقـدمـة كتاب " مــحــاكــمــة الــصــهــيــونــيــو الاســرائـلـيـة " للمؤرخ والفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي

كتب المقدمة عادل المعلم

بين العهد القديم وأقوال وأفعال جولد شتاين

وايجال عامير وأرييل شارون  و نتنياهو

جاء فى سفر التثنية، الأصحاح العشرين تحت عنوان :

شرائع حصار وفتح المدن البعيدة :

وحين تتقدمون لمحاربة مدينة فادعوها للصلح أولا فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم، فكل الشعب الساكن فيها يصبح عبيدا لكم. وإن أبت الصلح وحاربتكم، فحاصروها، فإذا أسقطها الرب إلهكم فى أيديكم، فاقتلوا جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما فى المدينة من أسلاب، فاغنموها لأنفسكم، وتمتعوا بغنائم أعدائكم التى وهبها الرب إلهكم لكم. هكذا تفعلون بكل المدن النائية عنكم التى ليست من مدن الأمم القاطنة هنا. (10- 15).

شرائع حصار وفتح مدن ارض الموعد :

أما مدن الشعوب التى يهبها الرب إلهكم لكم ميراثا، فلا تستبقوا فيها نسمة حية، بل دمروها عن بكرة أبيها، كمدن الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين كما أمركم الرب إلهكم، لكى لا يعلموكم رجاساتهم التى مارسوها فى عبادة آلهتهم، فتغووا وراءهم وتخطئوا إلى الرب إلهكم. (16-18).

التحذير من مخالطة الأمم وعبادة الأصنام : ومتى ادخلكم الرب إلهكم إلى الأرض التى أنتم ماضون إليها لترثوها، وطرد من أمامكم سبع أمم، أكثر وأعظم منكم، وهم الحثيون والجرجاشيون وا لأموريون والكنعانيون والفرزيون والحويون واليبوسيون. وأسلمهم الرب إليكم وهزمتموهم، فإنكم تحرمونهم. لاتقطعوا لهم عهداَ، ولا ترفقوا بهم، ولا تصاهروهم. فلا تزوجوا بناتكم من أبنائهم، ولا أبناءكم من بناتهم، إذ يغوون أبناءكم عن عبادتى ليعبدوا آلهة أخرى، فيحتدم غضب الرب عليكم ويهلككم سريعا. ولكن هذأ ما تفعلونه بهم: اهدموا مذابحهم وحطموا أصنامهم وقطعوا سواريهم وأحرقوا تماثيلهم 70: (1- 5).

تدخل المرأة فى المشاجرات :

إذا تعارك رجلان، فتدخلت زوجة أحدهما لتنقذ زوجها من قبضة يد ضاربه ومدت يدها وأمسكت بخصيته، فاقطعوا يدها ولا تشفقوا عليها 250: (11- 12).

شعب مقدس :

لأنكم شعب مقدس للرب، إلهكم...

وتستأصلون جميع الشعوب الذين يسلمهم الرب إليكم، فلا تشفقوا عليهم ولا تعبدوا آلهتهم لأن ذلك شرك لكم. 7: (6-16).

أما سفر يشوع  المقرر فى المدارس الآن، فجاء فيه عن سقوط أريحا :

فاندفع الشعب نحو المدينة كل إلى وجهته، واستولوا عليها ودمروا المدينة وقضوا بحد السيف على كل من فيها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ حتى البقر والغنم والحمير. : (20- 21).

الاستيلاء على المدينة:

وعندما تم القضاء على جيش عاى فى الصحراء حيث تعقبوا الإسرائيليين، وفنوا جميعهم بحد السيف، رجع المحاربون الإسرائيليون إلى عاى  وقتلوا كل من فيها. فكان جميع من قتل فى ذلك اليوم من رجال ونساء اثنى عشر ألفا، وهم جميع أهل عاي.

وظل يشوع مادا يده بالحربة نحو المدينة حتى تم القضاء على جميع أهل عاى. أما البهائم وغنائم المدينة فقد نهبها الإسرائيليون لأنفسهم، بمقتضى أمر الرب الذى أصدره إلى يشوع. وهكذا أحرق يشوع  عاي وحولها إلى تل خراب أبدي إلى هذا اليوم. 8: (24-28).

يستمر سفر يشوع  فى الحكايات المقدسة عن فتح المدن وإبادة كل من فيها بالأمر الإلهي.

قام أحد الأساتذة بإجراء استبيان بين التلاميذ اليهود : هل كان ما فعله يشوع بالقرى التى فتحها صوابا؟ هل يجب أن يفعل جيش إسرائيل اليوم بالقرى العربية ما فعله يشوع ؟

كانت الإجابة الكاسحة: نعم، وعلى السؤالين.

وأثناء قصف إسرائيل لقانا، تم التقاط إشارات بالعبرية تقول: اقصفوا واقتلوا تلك النفايات!

نشرت مجلة كيفونيم التى تصدرها "المنظمة الصهيونية العالمية" فى القدس، خطط إسرائيل الاستراتيجية فى الثمانينات:

"لقد غدت مصر، باعتبارها كيانا مركزيا، مجرد جثة هامدة، لاسيما إذا أخذنا فى الاعتبار المواجهات التى تزداد حدة بين المسلمين والمسيحيين. وينبغى أن يكون تقسيم مصر إلى دويلات منفصلة جغرافيا هو هدفنا السياسى على الجبهة الغربية خلال سنوات التسعينيات وبمجرد أن تتفكك أوصال مصر وتتلاشى سلطتها المركزية، فسوف تتفكك بالمثل بلدان أخرى مثل ليبيا والسودان وغيرهما من البلدان الأبعد، ومن ثم فإن تشكيل دولة قبطية فى صعيد مصر، بالإضافة إلى كيانات إقليمية أصغر وأقل أهمية، من شأنه أن يفتح الباب لتطور تاريخى لا مناص من تحقيقه على المدى البعيد، وإن كانت معاهدة السلام قد أعاقته فى الوقت الراهن.

وبالرغم مما يبدو فى الظاهر، فإن المشكلات فى الجبهة الغربية أقل من مثيلتها فى الجبهة الشرقية. وتعد تجزئة لبنان إلى خمس دويلات.. بمثابة نموذج لما سيحدث فى العالم العربى بأسره. وينبغى أن يكون تقسيم كل من العراق وسوريا إلى مناطق منفصلة على أساس عرقى أو دينى أحد الأهداف الأساسية لإسرائيل على المدى البعيد. والخطوة الأولى لتحقيق هذا الهدف هى تحطيم القدرة العسكرية لهذين البلدين.

فالبناء العرقى لسوريا يجعلها عرضة للتفكك، مما قد يؤدى إلى قيام دولة شيعية على طول الساحل، ودولة سنية فى منطقة حلب، وأخرى فى دمشق، بالإضافة إلى كيان درزى قد ينشأ فى الجولان الخاضعة لنا، وقد يطمح هو الآخر إلى تشكيل دولة خاصة، ولن يكون ذلك على أى حال إلا إذا انضمت إليه منطقتا حوران وشمالي الأردن. ويمكن لمثل هذه الدولة، على المدى البعيد، أن تكون ضمانة للسلام والأمن فى المنطقة. وتحقيق هذا الهدف فى متناول يدنا.

أما العراق، ذلك البلد الغنى بموارده النفطية والذى تتنازعه الصراعات الداخلية، فهو يقع على خط المواجهة مع إسرائيل. ويعد تفكيكه أمرا مهما بالنسبة لإسرائيل، بل إنه أكثر أهمية من تفكيك سوريا، لأن العراق يمثل على المدى القريب أخطر تهديد لإسرائيل  وليست سوريا.

(المصدر. مجلة كيفونيم، القدس ، العدد 14، فبراير/ شباط 1982 ص 49-59).

لم تنقطع محاولات إسرائيل لإثارة الفتنة الطائفية فى مصر، تنفيذا لاستراتيجيتها المذكورة فى مجلة كيفونيم. ونشهد بأعيننا نجاحها فيما يخص العراق، ونجاحها الجزئى فى لبنان، حيث أنشأت جيشا تابعا لها فى الجنوب الذى تحتله.ولا يفوتنا أن سياسة الولايات المتحدة منذ نهاية الأربعينيات، نثر بذورا لانهيار فى الاتحاد السوفيتى، لم تأت أكلها إلا بعد أربعين سنة من الجهد الدؤوب المتواصل!

فى هذا الكتاب، يحاكم جارودى صهيونية إسرائيل، نازيتها، وعنصريتها، وسياساتها التى تهدد المنطقة، بل والعالم. يحاكمها أمام التاريخ، لحساب الحق، ولحساب ا لأمة العربية التى تتكون من بضع وعشرين دولة وربع مليار إنسان!.

قبل مثول الكتاب للطبع، أدان القضاء الفرنسي- طبقا لقانون - جيسو- روجيه جارودى وحكم عليه بغرامة وحبس مع وقف التنفيذ. فكان هذا أحسن تعبير عن حرية التعبير فى فرنسا والغرب الموالي للصهاينة، ناهيك عن مصداقية البرلمان والحياة النيابية.

كذلك شنت الولايات المتحدة وبريطانيا عدوانهما الثالث على العراق، تحت زعم أن العراق يهدد جيرانه وأنه يحاول بناء أسلحة دمار شامل. وغفلت الولايات المتحدة وبريطانيا، عن احتلال إسرائيل لأراضي كل جيرانها، وترساناتها من أسلحة الدمار الشامل.

 

كتاب محاكمة جارودي

دار الشروق القاهرة

بين يدى الكتاب

من مقدمة عادل المعلم

آهى محاكمة للحرية؟... أم محاكمة للحقيقة؟...

أهى محاكمة للإعلام؟... أم محاكمة للديمقراطية؟

... أهى خليط من كل ذلك، تتبدل فيه المواقع الحقيقية للادعاء والاتهام؟

أهى شهادة موثقة فى المحكمة على صناعة الزيف؟ سواء كان ذلك فى التاريخ أو فى الحاضر؟

رفضت دور النشر الفرنسية طبع كتاب جارودى "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" خوفأ من اللوبى الصهيونى (اتفقت دار الشروق مع جارودى على نشر عشرة من أعماله باللغات العربية والإنجليرية والفرنسية.).

فند جارودى فى الكتاب الأساطير التى قامت عليها إسرائيل وتوسعت. ثلاث من تلك الأساطير انتزعها الصهاينة انتزاعا من العهد القديم:الأرض الموعودة- الشعب المختار- التطهير العرقى من سفر يشوع. ثم الأساطير المعاصرة: معاداة الصهيونية للفاشية- عدالة محكمه نورمبرج- ملايين الهولوكوست الستة- فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض- المعجزة الاقتصادية الإسرائيلية.

قدم اللوبى الصهيونى جارودى للمحاكمة بسبب ما ذكره عن عدالة محكمة نورمبرج، ودعوته للبحث العلمى فى الرقم المقدسر للهولوكوست: 6 مليون يهودى.

لم يكن جارودى أول من تكلم فى هاتين المسألتين. سبقه كثير- منهم يهود- وهبط رقم 6 مليون إلى مليون، الا فى الروايات وأفلام هو ليود ( جاء فى مقدمة،هيكل لكتاب "الآساطير" أن دوجلاس ريد، أحد أبز الصحافيين البريطانيين الذين غطوا الحرب العالمية الئانية، قارن ورن إحصائيتين لعدد يهود العالم، نشرت الأولى عصبة الأم المتحدة عام 1938، ونشرت الثانية الأمم المتحدة عام 1947، فوجد الرقم 11 مليونا في الاثنتين، وقدر ضحايا هتلر من اليهود 300 إلى 400 ألف. كذلك ذكر هيكل أنه عاين واقعة الاعتداء على المؤرخ البريطاني إيرفنج فى مطعم ريكشو بلندن، لأنه اقترب من تأكيد عدد الضحايا الحقيقي  300-400 ألف يهودي. وأكد هيكل- ونحن معه- أن تلك جريمة فظيعة، بل إن قتل بريئ واحد جريمة. ولكن ضحايا هتلر يقاربون 50 مليونا وعلى سبيل المثال ضحايا فرنسا في الجزائر فقط مليون، فلماذا التمييز العنصرى حتى بين الأموأت أ ولماذأ كل ذلك ألاستغلال ، السياسى الهائل للأسطورة؟).

ومع ذلك فطبقأ لقانون فابيوس- جيسو، تمت محاكمة جارودى، وغرمه القاضى 000،20 دولار. استأنف جارودى الحكم. واعتدى صهاينة بيتار على الصحافيين والإعلاميين العرب والإيرانيين على عتبة المحكمة، وطاردوهم حتى محطة مترو الأنفاق وأصابوهم بما يستلزم علاجا فى المستشفى.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد تلقى جارودى عدة مكالمات هاتفية تهدده بالقتل، وثم الاعتداء على المكتبات التى تبيع كتبه فى فرنسا وسيسرا واليونان، حتى امتنعت عن ذلك.

لم يطعن جارودى فى الديانة اليهودية، ولا فى العهد القديم، ولا فى أنبياء بنى إسرائيل. كل ما حوكم بسببه هو دعوته لمراجعة علمية لرقم 6 مليون.

ومن جراء هذه الدعوة، حاكمت ياريس- عاصمة النور.. والتنويريين.. وما إلى ذلك..- المفكر العالمى وأدانته.

لم تأخذ شبكة  CNN  وغيرها- بذلك خبرا. مع أن مراسليها لا يفتئون يكررون علينا نفس الدرس صباحأ ومساء، من أنهم يتعقبون الأحداث فى أى مكان فى العالم، ويبادرون إلى بثها لمشاهديهم فى كل العالم. لم تأخذ CNN - ولا غيرها- خبرا بمحاكمة جارودى فى ياريس على فكره، والتى استمرت ثلاث جلسات حتى الآن.

ولا التهديدات التى تلقاها، ولا الاعتداء على المكتبات التى عرضت كتبه.

ربما لا يرقى ذلك لأهمية بث عملية ختان فتاة مصرية، حية على الهواء مرة تلو المرة..

كذلك فإن الرئيس كلنتون- الذي استقبل سلمان رشدي في مكتبه، ثم برر ذلك بأنه تجسيد لوقوف أمريكا خلف حرية الرأى- لم يأخذ خبرا بتلك المحاكمة، ولا الغرامة ولا التهديد بالقتل ولا الاعتداء على المكتبات التى توزع كتب جارودى.

وأيضا رئيس الوزراء البريطانى بلير- الذى دعا سلمان رشدى للعشاء فى منزله- لم يسمع بذلك، أولم يهتم.

سلمان رشدي- حسب قول الفيلسوفة ا لألمانية الدكتورة انا ماري شمل- طعن فى شخص نبي المسلمين وأزواجه وأ! ابه، واصحابه  بذلك المشاعر المقدسة لمئات الملايين من المسلمين.

عادل المعلم

 

 

الفصل الاول

مقدمة المحاكمة

مثلت أمام المحكمة "كمتهم " فى قضية كتاب لم أكتبه أبدا. اتهمت بالإنكار أو بالإقلال من شأن البربرية الهتلرية وبالدعوة لمعاداة السامية والتفرقة العنصرية، وكانت هذه هى الشعوذة السياسية لجماعة "الليكرا" ( هى الرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية (المترجم).) وبطانتها.

ويتضمن البيان المقدم فى القضية برهانى على آلية الكذب وقوة الوشاة الذين لا يمثلون سوى عشر الجالية اليهودية فى فرنسا، لكنهم يمتلكون دعم قوى أجنبية إسرائيلية- أمريكية تسمح لهم بالتغلغل فى كل آليات الدولة والإعلام فى فرنسا، بصورة أكثر بكثير مما كان عليه الوضع فى زمن الجنرال ديجول.

محاكمة كتابى "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"- الذى ترجم فى ثلاث وعشرين دولة، من اليابان إلى الولايات المتحدة، ومن إيطاليا إلى اليونان إلى المجر إلى إنجلترا، لأنه يحذر من خطر حرب يخلقها اللوبى العالمى- تشوه صورة فرنسا، الدولة الوحيدة التى قُدم المؤلف فيها إلى

القضاء. هذا الاعتداء على حرية التعبير وعلى حقوق الإنسان، أدى إلى، استنكار عالمى. ففى مصر مثلا قام وفد من الكتاب والفنانين، يتقدمهم نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل، بالإعراب عن غضبهم فى السفارة الفرنسية بالقاهرة، كما وقع البابا شنودة بابا المسيحيين الأقباط على عريضة واحدة بهذا المعنى مع شيخ الأزهر. واندلعت مظاهرات شعبية فى فلسطين ولبنان، وأعرب مليار مسلم، دون تمييز للنظام السياسى، بداية من إمارات الخليج حتى الرئيس الإيرانى خاتمى، عن خيبة أملهم أمام تخلى فرنسا عن سمعتها كوطن لحقوق الإنسان.

انتقاد السياسة الإسرائيلية كان هو السبب الحقيقى للمحاكمة:

أثناء الغزو الإسرائيلى للبنان عام 1982، والذى أسفر عن 20 ألف قتيل، نشرت لوموند الفرنسية مقالا مقدما من الأب لولون والقس ماثيو ومنى شخصيا. وقدمتنا جماعة "الليكرا" للقضاء.

ورفضت دعواها على ثلاثة مستويات، وحكم عليها بدفع المصروفات. وفى نهاية المطاف نص حكم  محكمة النقض على: "يندرج المقال فى إطار النقد المشروع لسياسة الدولة، وللأيديولوجية التى تستلهمها، و لا يشكل تحريضا عنصريا".

وفى عام 1996، كررت "الليكرا" جريمتها.

كان هناك حدثان جديدان:

1- قانون " فابيوس- جيسو " ( قانون فابيوس هو الذى أضفى الطابع القانونى على جريمة الرأى، أضيف إليه أسم - جيسو نسبة إلى النائب الشيوعى الذى تبنى مشروع القانون فى شهر مايو عام 1990. يتمثل هذا القانون فى إدرأج مادة فى قانون حرية الصحافة الصادر عام " 188، وهى المادة 24 ب وتقضى بالآتى: "يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها فى الفقرة السادسة من المادة 24، كل من أنكر..... وجود جريمة أو أكثر من الجرائم ضد الإنسانية، كما حددتها المادة 6 من القانون الأساسى للمحكمة العسكرية الدولية والملحق باتفاق لندن فى 8 أغسطس 1945 " (المترجم))  . وهو القانون الذى صوت ضده عند عرضه أمام الجمعية الوطنية، كل من الرئيس شيراك، والسيد توبون الذى آصبح وزيرا للعدل بعد ذلك، والسيدة سيمون فيل، وأيضا 182 نائبا فى البرلمان.

جعل هذا القانون من محكمة نورمبرج- التى أعلن رئيسها أنها كانت آخر عمل حربى للحلفاء- المرجع النهائى المطلق للحقيقة التاريخية والتى سمحت - كما أشار أحد النواب- بأن نحاكم لأننا نقول الحقيقة.

وكما أوضح المحاميان جاك فيرجيس والسيد بتيلو، فإن هذا القانون- خلافا لكل من الدستور الفرنسى والإعلان الدولى لحقوق الإنسان- أوجد نوعاا من التفرقة العنصرية لصالح فئة واحدة من ضحايا هتلر، ومتجاهلا ضحايا كل الأشكال البربرية ا لأخرى، الاستعمارية، الاستعبادية أو الشمولية.

2- الحقيقة الأساسية التى دفعتنى لتأليف هذا الكتاب، كانت الخطة الإستراتيجية الأمريكية التى صاغها منظر البنتاجون، هنتجتون فى كتابه "صدام الحضارات "، واصفا ما ستكون عليه الحرب العالمية الثالثة: مواجهة بين "الحضارة اليهودية- المسيحية " و"التحالف ا لإسلامى- ا لكونفوشيوسى ". فمنذ مائة عام مضت، قام تيودور هرتزل- الأب الروحى لما أصبحت دولة إسرائيل- بوصف الدور المستقبلي لهذه الدولة، الواقعة تحديدا على تخوم عالمين: " نحن نشكل حصنا  متقدما للحضارة الغربية ضد البربرية الشرقية ". من هنا يمكن فهم الدعم المادى والعسكرى الضخم الذى تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل.

كما كتب البروفيسور الإسرائيلى ليبوفيتش (أحد المسئولين عن الموسوعة إليهودية) يقول: " تأتى قوة القبضة اليهودية من قفاز الصلب الأمريكى الذى يغطيها، والدولارات التى تبطنه " ( إسرائيل والبهودية ) ص 253،.

المنظمة الصهيونية- التى أصبحت رسمية بقانون صدر عن الكنيست فى 2 نوفمبر 1952- هى التى تمثل السياسة الإسرائيلية فى الخارج، وتنفذ بدقة المهمة التى فرضها بن جوريون فى المؤتمر الصهيونى الثالث والعشرين: "كل المنظمات الصهيونية فى الأم المختلفة، عليها مساندة الدولة اليهودية (فى كل الظروف ودون شروط) حتى لو تعارض ذلك مع أى موقف للسلطات فى دولهم ". يراعى الصهاينة هذه المهمة بدقة. كتب إيلى ويزل فى عام 1982 أثناء الغزو الدموى للبنان: "أنا متضامن تماما مع ما يحدث فى إسرائيل ومع ما تفعل إسرائيل. إنها تفعله باسمى".

وقد أقر الحاخام الأكبر سيتراك نفس الفكرة فى عام 1990 موجئها كلامه  إلى إسحق شامير (وهو الذى عرض تعاونه العسكري على هتلر ضد الإنجليز فى زمن الحرب): "كن واثقا بأن كل يهودى فى فرنسا هو مدافع عن كل ما تدافعون عنه... كل يهودى فرنسى هو ممثل لإسرائيل ".

لم يتحملوا أقوالى المدعمة بالإثباتات. وبما أنهم لا يملكون أف حجة لنقد الكتاب، فقد استعانوا بالشرطة والقضاء فى الهجوم الجديد. وأعطاهم قانون " فابيوس- جيسو " الحجة.

ان حججى  وحجج محامى، "فيرجيس وبتيلو"، تترك للقارئ الحكم على حسن نية البعض وقيمة حقيقة أقوال البعض الآخر. وبالطبع فإن المدعين لم يقدموا إلينا مرافعتهم، ذلك لأنها تتلخص فى هذه القضية التى تتعلق بالنوايا: يجعلونني أقول "يهودى" فى كل مرة أقول فيها "صهيونى". والواقع أن اليهودية دين أحترمه، والصهيونية سياسة أحاربها كسياسة قومية متطرفة واستعمارية، تتبع منذ خمسين عاما (والآن أشد بالطبع مع نتنياهو)، سياسة عدوانية تجاه كل جيرانها الذين تحتل حدودهم.

يكشف كتابى ( "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية") الدعاوى الدينية والتاريخية الكاذبة: قراءة المعنى للكتا ب المقدس تعطى آفاقا رحبة للأحكام ولقدرات الإنسان الذى يسكنه الرب، لإبراهيم، لموسى، ليشوع. أما القراءة الانتقائية الحرفية المتشددة فيمكن أن تقترح مثلا أن نحاكى فى القرن العشرين ما حدث فى الماضى، ونفعل مع الفلسطينيين ما فعله يشوع من مذابح كنعان، المعبر عنها فى اللغة الرمزية والعشائرية منذ ثلائة آلاف سنة.

اتباع نفس الطريقة فى شرح التاريخ يماثل التبسيط المخيف للحرب، الذى جعل محكمة نورمبرج ان تقبل تقارير الحلفاء دون أى نقد، وبموجبها شُكلت هيئة المحكمة التى قامت بتوصيف الجرائم ضد الإنسانية فى اليوم التالى لهيروشيما وقبل يومين فقط من نجازاكى!

وهكذا تم أيضا- فيما بعد- القبول دون تفكير بالتقارير السوفيتية التى نسبت مقتل آلاف الضباط البولنديين فى "كاتين " إلى الجيش الألمانى، بينما أكدت الحقيقة التى اتضحت فيما بعد، أن الإدارة السوفيتية هى التى أمرت بالمذبحة.

وبنفس الطريقة أيضا تم قبول رقم "4 مليون " قتيل، المحفور على حوائط "أوشفتيتس " ( أشهر معسكرات ا لاعتقال التى أقامها النازيون فى بولندا (المترجم))- استمر ذلك خمسين عاما- وبعد التحقيقات المتتابعة التى قامت بها الجمعيات العلمية انخفض الرقم إلى مليون.

هذا لا يقلل من شأن الجريمة، لأنها- وكما كتبت فى كتابى- جريمة أن تقتل برئ واحد سواء أكان يهوديا أم غير يهودى!

إن ما كشفنا عنه فى هذا الكتاب، هو الاستغلال السياسى والابتزاز المالى لكل الأساطير المغالى فيها، والتى تُنسج حول وعد من الله، بأرض إلى شعب واحد دون كل الآخرين، أو تلاعب حسابى لا يخدم فقط تعويض الضحايا (وهو المبدأ الصحيح) لكن- كما اعترف ناحوم جولدمان- استخدمت التعويضات لتمويل البنية الأساسية لدولة لا تملك أى حق فى هذه التعويضات، بما أنها لم تكن موجودة فى زمن ارتكاب هذه الجرائم، وهى الدولة التى استخدمت هذه التعويضات أيضا لبناء قوتها ولارتكاب جرائم جديدة.

من ضمن "الاتهامات " الموجهة ضدى "نفى وجود غرف الغاز"، بينما لم أطلب سوى مناظرة علمية، علنية، بين المتخصصين- لأننى لست واحدا منهم- تبحث المسألة. وطالما لم تعقد هذه المناظرة، فإنه كما كتبت السيدة سيمون فيل أثناء التصويت على قانون "فابيوس- جيسو": "نحن نعطي الانطباع بأن لدينا شيئا نخفيه ".

إن مثل هذه المناظرة أكثر ضرورة من هذا التعلق التسلطى بفكرة تأكيد أو نفى وجود غرف الغاز. كما أن عدم عقدها يقلل من شأن الجرائم الأخرى للنازية، بحجب البحث عن بقية الوسائل لمذابح المعارضين (مثل ما قيل عن الصعق بالكهرباء فى حمامات السباحة، أو استخدام الجيرا الحي) أو أشكال أخرى للقتل بأعمال تؤدى للوفاة، أو بأوبئة التيفود التى تؤدى إلى ملايين الضحايا، أو التعذيب بالجوع لفترات طويلة، والذى عرفناه فى كل الأزمنة. لم نعثر على أى دليل عن تلك الوسائل، عند أى من كبار المنتصرين على هتلر، الذين وجهوا هذا الاتهام وكشفوا عن البربرية، فلا كلمة واحدة عن غرف الغاز فى مذكرات أشهر من اشتركوا فى الحرب، لا فى "مذكرات حرب " لتشرشل ولا فى مذكرات الجنرال ديجول، ولا فى "الحرب الصليبية فى أوروبا " لأيزنها ور.

المؤرخون الأكثر عنفا، مثل جوناه جولداجن فى كتابه "الجلادون المتطوعون لهتلر" (والذى جعل من الشعب الألمانى كله "أمة من القتلة")، وصف هذا المؤرخ غرف الغاز بأنها "ظاهرة عارضة" (ص 504)، وأبدى أسفه لأنها "الشاغل المسيطر على الرأى العام وأيضا على المؤرخين " (ص 170).

أما بالنسبة لمؤرخ غير مجادل، ولا ريب فى حياده، مثل السيد رينيه ريموند، الذي كان يرأس لجنة تأريخ الاعتقال، فلم يذكر فى كتابية الأساسيين: "مدخل لتأريخ عصرنا "، (" 196) و"القرن العشرين من 1914 حتى أيامنا" (1974، وهو من 1000 صفحة )، لم يذكر أي كلمة عن غرف الغاز. إذن فهي مسألة تستحق الفحص والتدقيق، انطلاقا من خلفية محايدة، وذلك لمعرفة كل وسائل التعذيب والموت التى استخدممها هتلر ضد كل معارضيه.

إنها إحدى جرائم قانون "فابيوس- جيسو" التى تمنع المؤرخين من إجراء أي بحوث ناقدة، بل وتحولهم للقضاء، طبقا لقانون فرض حقيقة تاريخية مطلقة لا يجب المساس بها، وقامت على عمل محكمة استثنائية.

وهكذا فإن محاكمة بابون الموظف المخلص للحكومة الفرنسية التى تعاونت مع الاحتلال الألمانى لفرنسا، تحولت إلى: "قضية فرنسا" واختلطت مع هذه "الحثالة القذرة لشعبنا"، كما كتب السيد بايريفيت (من المشتركين فى المقاومة الفرنسية منذ الساعة الأولى للاحتلال، وكان وزيرا فى حكومة  ديجول).

استحسنت "اللبكود" إذلال فرنسا، وقامت مع بطانتها بالجلد الذاتى لشعبنا: جعلوا ا لأسقفية الفرنسية، الخاضعة دائما، والتى تدعى الحديث باسم كل الكنيسة (مثل ادعاء الليكرا بأنها تتحدث باسم كل اليهود) تستسلم مرة أخرى لهذا الإذلال، مثلما حدث فى عصر بيتان. وكأن الآلاف من القسس والملايين من الفرنسيين الذين أنقذوا الكثير من ضحايا حكومة "فيشى وقادتها النازيين " لم يكونوا من الكنيسة. وكأنها لم تكن فرنسا بمن فيها من المسيحيين والملحدين هم الذين انخرطوا فى المقاومة وأنقذوا الكثير من الوطنيين، سواء كانوا يهودا أو غير يهود.

هذه الكراهية لفرنسا المناضلة والشامخة أمام العواصف، تفجرت مع لعنات برنارد- هنري  ليفى أفضل كتاب لديه "لوبى" لتلويث شعبنا وحضارته. كتب فى "أيديولوجية فرنسية" بعد أن ندد بالتقاليد الإنسانية لفوتير والتقاليد المسيحية لبيجى، مرورا بطعن الاستقاسة اليهودية لبرنارد لازار يقول: "إنها الثقافة الفرنسية بأسرها.. إنها أعز تقاليدنا الفرنسية، التى تشهد الواحدة تلو الأخرى، بالنذالة المتأصلة فينا....". ونادى أيضا بنكء الجرح العميق المدفون فى "قلب الفكر الفرنسى" الذي جعل من فرنسا "وطتا للقومية الاشراكية" ( ص 61، 92، 125- جراسيه 1981)

التزم نفس اللوبى الصمت تماما أمام ابتزازات الدولة الوحيدة التي يطلق عليها فى الشرق الاوسط "ديموقراطية"!

- الدولة الوحيدة فى العالم التى مازالت تطبق فى فلسطين أساليب ا لاستعمار الاستيطانى بسعيها لطرد الفلسطينيين- المواطنين الأصليين- مثلما كان هتلر يريد أن يطرد اليهود من أوروبا!!

- هذه الدولة هى الوحيدة التى تحتفظ بسياسة التمييز العنصرى بعد انهزام هذه السياسة فى إفريقيا، وهو ما كان فانكيلرو يسميه عن حق الكارثة الروحية ".

- الدولة الوحيدة فى العالم التى تجيز فيها االمحكمة العليا التعذيب.

- الدولة التى توجد فيها "الفاشية الحاخامية "(نقلا عن تعبير جاك

ديروجى (جاكوب وايزمان ")، والتى تصنع قتلة باسم الحق الالهى، مثل قاتل الرئيس رابين، أو قاتل المسلمين أثناء الصلاة باروخ جولد شتاين، الذى تلقى تعليمه فى بروكلين وطبقه فى الخليل، والذي شيد له مواطنوه ضريحا رخاميا محفورا عليه "إلى البطل باروخ جولد شتاين " ولا تذبل باقات ورد الصهاينة من مستعمرة كيريات أربع على قبره، دون أدنى استنكار من الحكومة المتواطئة.

- الدولة التى قالت فيها ابنة الجنرال بيليد (قتلت ابنتها فى انفجار للمقاومة الانتحارية فى القدس) لنتنياهو: "سياستك قتلت ابنتى! "، مثلما قالت له السيدة ليا رابين هى الأخرى: (أصدقاؤك قتلوا زوجى! )

حيال كل هذه الجرائم، تلتزم "الليكرا" الصمت ولا ترفع الصوت إلا عندما يكشف كتابى عن جرائمها وجذورها الأيديولوجية. المقصود هو أن نقول بوضوح من هو المذنب: أهو الذى يرتكب الجريمة، أم هو الذي يكشف عنها؟ أهو الذى يبحث عن الحقيقة، أم هو الذى يعمل على إخفائها؟

إن الرهان خطير!

بالنسبة لملايين من اليهود، الذين لم يمثلهم اللوبى فى ذلك الوقت الذى بدأ فيه هتلر فى عام 1933 التعاون مع الصهاينة، الذين لا تتعدى نسبتهم 5%  فقط، والذين رغبوا مثله تماما فى "إفراغ ألمانيا من اليهود الذين يعيشون فيها" لدعوتهم إلى فلسطين، والذين عملوا أيضا على التحريض ضد 95./ من أعضاء "مؤسسة الألمان اليهود" التى كانت تعمل فقط من أجل احترام ثقافتهم وديانتهم فى وطنهم الذى يعيشون فيه، فإن خطر الصهاينة كبير بالنسبة لكل هؤلاء.

من ضمن الأعمال المشئومة للوبى الصهيونى- وهو يستطيع اليوم أن يحدث فى العالم كله موجة من معاداة السامية مخاطرا بكل يهود المهجر، عازلا للدولة الإسرائيلية ودافعا بها نحو الكارثة ومهددا للسلام العالمى- يمكننا أن نسجل بصفة خاصة:

- فى عملية الإغراق السينمائى التى يقوم بها اللوبى الصهيونى، من هوليوود التى يسيطر عليها، لم يكن أفراده متحمسين أبدأ لإظهار الأبطال اليهود الذين قاتلوا الفاشية وأسلحتهم فى أيديهم، فى الألوية الدولية ا لإسبانية (50% من الألوية ا لأمريكية "لنكولن " كانوا من اليهود، ونسبة أكبر من هذه فى الألوية البولندية "دومبروفسكى"). عن هؤلاء لا تتكلم هوليوود أبدأ، لأن الصهيونية تأخذ عليهم أن يقاتلوا فى إسبانيا بدلا من اللحاق بفلسطين لتكوين دولة قوية. لا يتكلمون أيضا عن المقاتلين اليهود المتطوعين فى (جماعة الأيدى العاملة المهاجرة) الذين انخرطوا فى المقاومة المسلحة الفرنسية ضد هتلر. يقدمون لنا فقط وطوال الأسبوع، ضحايا هتلر من اليهود وكأنهم هم فقط ضحايا النازية التى كانت تطمح إلى قتل ثلاثين مليونا من السلاف، والتى كبدت العالم خمسين مليون قتيل.

المقصود ليس التاريخ أو الماضى، لكنه مستقبلنا المشترك. تهدد الدعاية الصهيونية عن طريق الإغراق، بخلق موجة من معاداة السامية فى العالم اجمع، ولهذا فإن كشفنا للصهيونية هو جزء مكمل- كما يقول الأب لولون- لكفاحنا ضد معاداة السامية.

تعزل السياسة الصهيونية المتشددة لنتنياهو إسرائيل، وتقود هذا البلد نحو كارثة، فور أن تتوقف الولايات المتحدة- التى تعتمدعلينها إسرائيل بنسبة .90./.- عن مدها بالدولارات والأسلحة.

يتطابق الدور الذي أسندته الولايات المتحدة- فى غمار سعيها للسيطرة على العالم- لإسرائيل - وكما حدده هنتجتون تماما مع وجهات نظر هـرتزل. إذ يقود هذا الدور العالم إلى الحرب وإلى الهاوية كن طريق "صدام الحضارات " ودور الدولة الصهيونية كـ "حصن متقدم " للغرب فى اسيا.

هذا هو الركهان فى هذه القضية، وفى الحكم على هذا الكتاب الاختيار بين "صلاة الكراهية" للشعب المختار "لهرتزل وهنجتون و بولياكوف " وبين "حوار الثقافات ".

اي بين الحرب والسلام.

من أجل هذا، هناك جمهور كبير من الرجال والنساء فى العالم ينظرون اليوم إلى فرنسا؟ ينتظرون حكم القضاء بقلق، وأيضا بأمل.

من صفحة 24

لم يتطرق الادعاء بشىء أيضا إلى الفصل المتعلق بتعاون قادة الصهاينة مع هتلر، منذ اتفاقيات "هعفاراه "  ( فى مقابل اعتراف النظام النازى بالمنظمة الصهيونية كممثل وحيد ليهود ألمانيا، عرض القادة الصهاينة خرق المقاطعة التى كانت جميع القوى المناهضة للفاشية فى العالم تحاول فرضها على ألمانيا. وقد بدأ هذا التعاون الاقتصادي عام 1933 حيث تأسست شركتان هما "هعفاراه"، فى تل أبيب، و"بالترو" فى برلين. وكان النظام المتبع هو أن يقوم أى يهودى يرغب فى الهجرة بإيداع مبلغ ألف جنيه إسترلينى كحد أدنى فى مصرف فاسرمان فى برلين أو مصرف فاربورج فى هامبورج، على أن يستخدم المصدرون اليهود هذه الحصيلة فى شراء بضائع ألمانية وتصديرها إلى فلسطين ثم تسديد ثمنها بالجنيه الفلسطينى بإيداعه فى حساب شركه "هعفـاراه " فى المصرف الإنجليزى الفلسطينى فى تل أبيب. وعند وصول المهاجر إلى فلسطين يحصل على مبلغ من المال يعادل المبلغ الذى أودعه من قبل فى ألمانيا ).

 المرتبطة بقيام الصهاينة بخرق الحصار الاقتصادى على ألمانيا الهتلرية. حتى العروض التى قدمها إسحق شامير للتعاون العسكرى مع النازيين، كذلك العروض البشعة بمبادلة مليون سجين يهودي بعشرة آلاف شاحنة للجبهة الشرقية، عام 1944.

من صفحة 28

رسالة هرتزل إلى سيسل روديس :  

السيد سيسل روديس "                                                                                فيينا- 11- يناير

"...إنك فى الواقع الرجل الوحيد الذى يمكن أن يساعدنى... لأن الأمر يتعلق بمهمة استعمارية... إننى لا أطلب منك أن تمدنى أو تقرضنى الأموال، لكن أن تضمن بسلطتك المشروع الصهيونى... فمن خلال خمس مؤتمرات، تم إنشاء منظمة تضم الآلاف فى مختلف أنحاء العالم. تُخضع الصهاينة كلهم لأمر ونظام واحد من منشوريا إلى الأرجنتين، من كندا إلى نيوزيلنده. أكبر تجمع وتمركز لأعضائنا موجود فى أورويا الشرقية. .......فى إنجلترا لدينا الكثير من الأصدقاء المسيحيين، فى الكنيسة وفى الصحافة. وفى مجلس العموم وعد 37 عضوا بمساندة الصهيونية".

 من صفحة 49

 ..... تدخل " خطة الحرب " التي طبقت بدقة أثناء غزو لبنان عام 1982، مرحلة جديدة على طريق التخقيق.

هذه الخطة، التي عرضت بوضوح في مجلة " كيفونيم "أي ( اتجاهات ) الصهيونية، والتي تصدر قي القدس – تحت عنوان : " الخطط الاستراتيجية لاسرائيل " ... وتتضمن الفقرات الاساسية الاتية:

"لقد غدت مصر باعتبارها كيانا مركزيا، مجرد جثة هامدة، لاسيما إذا أخذنا فى الاعتبار المواجهات التى تزداد حدة بين المسلمين والمسيحيين. وينبغى أن يكون تقسيم مصر إلى دويلات منفصلة جغرافيا هو هدفنا السياسى على الجبهة الغربية خلال سنوات التسعينيات.

وبمجرد أن تتفكك أوصال مصر وتتلاشى سلطتها المركزية، فسوف تتفكك بالمثل بلدان أخرى مثل ليبيا والسودان وغيرهما من البلدان الأبعد. ومن ثم فان تشكيل دولة قبطية فى صعيد مصر، بالإضافة إلى كيانات إقليمية أصغر وأقل أهمية، من شأنه أن يفتح الباب لتطور تاريخى لا مناص من تحقيقه على المدى البعيد، وإن كانت معاهدة السلام قد أعاقته فى الوقت الراهن.

وبالرغم مما يبدو فى الظاهر، فان المشكلات فى الجبهة الغربية أقل من مثيلتها فى الجبهة الشرقية. وتعد تجزئة لبنان إلى خمس دويلات... بمثابة نموذج لما سيحدث فى العالم العربى بأسره. وينبغى أن يكون تقسيم كل من العراق وسوريا إلى مناطق منفصلة على أساس عرقى أو دينى أحد الأهداف الأساسية لإسرائيل على المدى البعيد. والخطوة الأولى لتحقيق هذا الهدف هى تحطيم القدرة العسكرية لهذين البلدين.

فالبناء العرقى لسوريا يجعلها عرضة للتفكيك، مما قد يؤدى إلى قيام دولة شيعية على طول الساحل، ودولة سئية فى منطقة حلب، وأخرى  فى دمشق، بالإضافة إلى كيان درزى قد ينشأ فى الجولان الخاضعة لنا، وقد يطمح هو الآخر إلى تشكيل دولة خاصة، ولن يكون ذلك على أى حال إلا إذا انضمت إليه منطقتا حوران وشمالى الأردن. ويمكن لمثل هذه الدولة، على المدى البعيد، أن تكون ضمانة للسلام والأمن  فى المنطقة. وتحقيق هذا الهدف فى متناول يدنا.

أما العراق ذلك البلد الغنى بموارده النفطية والذى تتنازعه الصراعات الداخلية، فهو يقع على خط المواجهة مع اسرائيل. ويعد تفكيكه أمرا مهما بالنسبة لإسرائيل، بل إنه أكثراهمية من تفكيك سوريا، لأن العراق يمثل على المدى القريب أخطر تهديد لأسرائيل "

(المصدر: كيفونيم، القدس، عدد 14، فبراير 1982، ص 49، 50)

من أجل تحقيق هذا البرنامج الواسع، يحصل قادة إسرائيل على مساعدة أمريكية بلا حدود. من بين 507 طائرات كانت إسرائيل تملكها عشية غزوه لبنان عام 1982، جاءت 457 من الولايات الأمريكية (منح وقروض حصلت عليهما بفضل اللوبى الإسرائيلى فى واشنطن).

هذه الخطة لضم كل الشرق الأوسط (مع العلاقات الدولية الضمنية التى يسهل فهمهما) لم تتوقف- وحتى قبل أن تظهر بكل هذه الوقاحة- عن توجيه سياسة الحرب اإسرائيلية وانتهاك قرارات المجتع الدولى للأمم المتحدة، بالمساعدة غير المشروطة للولايات المتحدة الأمريكية.